محمد أبو زهرة

1175

زهرة التفاسير

الملك بيد اللّه ، قد يديل سبحانه من دولة الشرك والكفر « 1 » ، ويكون للّه ولرسوله الكلمة العليا ؛ فكأن الآيات السابقة مقدمة ، وهذه الآية نتيجة ؛ أي أنه إذا كان الملك للّه سبحانه ، وهو مالك الملك ، فلا يسوغ لمؤمن أن يدخل في سلطان غير مؤمن وولايته ؛ لأنه بذلك يخرج من ولاية اللّه مالك الملك إلى ولاية كافر أعير الملك ، والعارية مستردة لصاحبها في أي وقت ، وهو الحق سبحانه الذي لا سلطان فوق سلطانه ؛ ولذا قال سبحانه : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أولياء جمع ولى ، وهو من الولاء . وأصل هذه الكلمة بينها الأصفهاني في مفرداته ، فقال : « الولاء والتوالي : أن يحصل شيئان حصولا ليس بينهما ما ليس منهما ، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان ، ومن حيث النسبة ، ومن حيث الدين ، ومن حيث الصداقة والنصرة ، والاعتقاد . والولاية ( بكسر بالواو ) النصرة . والولاية ( بالفتح ) تولى الأمر . وقيل الولاية والولاية واحدة نحو الدّلالة والدّلالة » . وعلى ذلك تكون كلمة ولى تطلق بمعنى الصديق وبمعنى النصير ، وبمعنى من يتولى أمر غيره . وما المراد بها هنا ؟ الظاهر أن المراد هو من يتولى أمر غيره ، فمعنى لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ نهى المؤمنين عن أن يدخلوا في ولاية الكافرين وتحت سلطانهم وفي ظلهم دون ظل المؤمنين وسلطانهم ؛ فإن على المؤمنين أن يكوّنوا لأنفسهم دولة وولاية تظلهم ، ولا يكون أحد منهم في ولاية غيرهم والدليل على أن أولياء هنا معناها متولون الأمر قوله تعالى : مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ فإن دون هنا بمعنى غير ، وهذا يومئ إلى ترك ولاية المؤمنين ليكونوا في ولاية غيرهم ؛ فالمعنى إذن أنه لا يجوز لطائفة من المؤمنين أن يكونوا في ولاية غير المؤمنين . وهنا إشارة بلاغية رائعة في قوله تعالى : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ وفي قوله : مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ؛ فإنه من المقررات البيانية أن اللفظ إذا

--> ( 1 ) يديلنا : من الدّولة . والإدالة : الغلبة . ودالت الأيّام : دارت ، واللّه تعالى يداولها بين الناس . [ القاموس المحيط - فصل الدال - الدولة ] .